محمد بن محمد ابو شهبة

367

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

فسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وسجد من خلفه إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه ، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا » « 1 » ، فقد اقتصر البخاري على هذا الجزء الصحيح من القصة ، وهو لا يدل على ما زادوه ، أما سجود المسلمين فاتّباعا لأمر اللّه ، وائتساء برسول اللّه ، وأما سجود المشركين ؛ فلما سمعوه من أسرار البلاغة الفائقة ، والفصاحة البالغة ، وعيون الكلم الجوامع لأنواع من الوعيد والإنكار ، والتهديد والإنذار ، وقد كان العربي يسمع القران فيخر له ساجدا ، وقد حدثناك عن بعض اثار القران في نفوس المنكرين فضلا عن المصادقين ، هذا إلى ما فيه من موافقة الجماعة ، والشخص إذا كان في جماعة يندفع إلى موافقتها من غير ما شعور ، وقد يكون الأمر على خلاف ما يهوى ويريد ، كما تدل على ذلك قواعد علم النفس . اللغة تنكر القصة أيضا ومما يدل على افتعال القصة أيضا ما ذكره الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في رد هذه الفرية : وهو أن وصف العرب لالهتهم « بالغرانيق » لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم ، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريا على ألسنتهم إلا ما جاء في « معجم ياقوت » من غير سند ، ولا معروف بطريق صحيح ، والذي تعرفه اللغة أن الغرنوق ، والغرنوق ، والغرنيق ، والغرنيق اسم لطائر مائي أسود أو أبيض ، ومن معانيه الشاب الأبيض الجميل ، ويطلق على غير ذلك « 2 » ، ولا شيء من معانيه اللغوية يلائم معنى الإلهية والأصنام حتى يطلق عليهما في فصيح الكلام الذي يعرض على أمراء الفصاحة والبيان . تأويل المثبتين للقصة لها وقد حكمت الصنعة الحديثية والقواعد الاصطلاحية على بعض العلماء كالحافظ ابن حجر ومن تبعه كالسيوطي وغيره على أن يقول إن القصة ، وإن لم تكن كل طرقها صحيحة ، لكن كثرة الطرق تدل على أن لها أصلا ، وأوّلوها

--> ( 1 ) صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب سورة « والنجم » . ( 2 ) انظر القاموس مادة « غرنوق » .